أهم الأخبار

photo

مصر والبنك الدولي يوقعان اتفاقية قرض بقيمة 500 مليون دولار لتحسين التعليم الحكومي

photo

مصر ترحب بإعلان كوريا الشمالية تعليق تجاربها النووية والصاروخية

photo

محمد صلاح: أبي سبب عشقي للنادي الإسماعيلي (صورة)

photo

«البحوث الفلكية»: غرة رمضان الخميس 17 مايو المقبل

photo

الأهلي يعلن تفاصيل مهرجان اعتزال حسام غالي في مؤتمر صحفي الاثنين

photo

رئيس الوزراء يتفقد استعدادات تطبيق التأمين الصحي الشامل ببورسعيد

photo

مصر تشارك في مؤتمر باريس لمكافحة تمويل الإرهاب 26 أبريل

photo

عبدالله السعيد «يصنع» في فوز كوبيون على هلسنكي عمرو جمال في الدوري الفنلندي (فيديو)

photo

تعليق أبوتريكة على هدف محمد صلاح التاريخي في ويست بروميتش

photo

عقب تحقيق «المصري اليوم».. وزير النقل يتفقد قطار «المنوفية – المناشي» (صور)

photo

وزيرة التضامن تكشف عدد المستفيدين من «تكافل وكرامة»

محمد المخزنجي نعم مصر تستطيع.. هنا (والصدفة لا تأتى إلَّا لمن يستحقها) محمد المخزنجي الأربعاء 19-04-2017 21:34

اشترك لتصلك أهم الأخبار


توقفت بانتباه عند الفقرة السابقة وأنا أدقق ما أكتبه عن الظاهرة المصرية التى يمثلها الدكتور محمد غنيم، لأنها تؤكد مصداقية قصة مدهشة ضمن سيرته العلمية والإنسانية، وتضىء معانى مهمة فى مسيرته، صالحة للتأمل والاعتبار، على المستوى الفردى كما على المستوى العام، فى مكافحة سرطان المثانة، كما سرطانات السلوك البشرى، ومنها ما ابتُلينا به فى ديننا الحنيف ودنيانا الضنينة، وكان التفجيران الدمويان لكنيستى طنطا والإسكندرية آخر انحطاطات مجرميه.

تقول السطور التى آثرت نقلها بلغتها عن الموسوعة العالمية الرقمية على الإنترنت: «وهو قد تعاون لسنوات مع بروفيسور المسالك البولية المصرى محمد غنيم بالقسم الطبى من جامعة المنصورة». فمن «هو» الذى تتحدث عنه هذه الفقرة، وما دلالة ذلك، وماذا عن قصته مع الدكتور غنيم أو قصة غنيم معه؟ وما الرسالة أو الرسائل فى ذلك كله؟

من مدينة مصرية صغيرة

النبيل الدكتور نيلز كوك يحضر إلى المنصورة 17 مرة حاملاً محبته وتقديره من السويد للدكتور محمد غنيم

«إنه نيلز كوك» الجراح السويدى العالمى الأشهر، الذى سجل فتحا طبيا عالميا عام 1969 عندما ابتكر حلاً جراحياً فذاً صار مقروناً باسمه، هو«كيس كوك» Kock pouch، ويتلخص فى تكوين كيس أو جُعبة من جزء من الجزء الأخير من الأمعاء الدقيقة المسمى «اللفائفى»، والواقع فى الجزء الأسفل من الجانب الأيمن من البطن قبل اتصاله بالقولون الصاعد، فتؤخذ قطعتان من هذا الجزء وتُفتحان على بعضهما ثم تُخاطان معا فى شكل كيس يوصَل بجلد البطن عبر فتحة تنقل ما يُجمِّعه من فضلات الأمعاء إلى الخارج للتخلص منها فى أكياس صحية، مُعوِّضا بذلك ما كان يقوم بهذه المهمة فى الحالة الطبيعية وتم استئصاله لإصابته بالسرطان، أو لأى سبب تدميرى آخر.

ورغم أن هذا الابتكار بدأ مرتبطا بجراحة الجهاز الهضمى التى كان كوك أستاذا متخصصا فيها، إلا أنه انتقل إلى جراحة المسالك البولية ليصير بديلا عن المثانة التى تُستأصَل جذريا بعد تسرطنها، فيوصَل الحالبان الهابطان من الكليتين بكيس كوك الذى يُشكِّل المثانة البديلة عبر فتحتين فى أعلاه، ثم يُوصَل هذا الكيس بمَخرَج عبر جدار البطن ويثبت فى الجلد، لنقل ما يتجمع فيه من البول إلى أكياس صحية خارجية يجرى التخلص منها كلما امتلأت. وقد اشتهر أستاذ جراحة المسالك البولية الأمريكى «دونالد سكنر» بأنه أهم من طوروا هذه الجراحة وبرعوا فيها، وصار بذلك نجما فى الولايات المتحدة والعالم، لكن الأقدار كانت تخبئ له مفاجأة تكشف عن نجم لامع جديد، قدم تطويرا أبرع وأمهر وأذكى وأكثر إنسانية فى مدينة مصرية صغيرة، اسمها: المنصورة.

من يحل المأزق السويدى؟

بدلاً من تصريف المثانة البديلة من ثقب بالبطن جعلها د. غنيم تصرف عبر المسار الطبيعى

فى نهاية عام 1987 حدث ارتباك لدى مُنظمى فعالية سنوية شهيرة تقيمها الجمعية السويدية للمسالك البولية بجامعة كارولينسكا السويدية المرموقة. ففى نوفمبر من كل عام، درجت هذه الجامعة على إقامة يوم عنوانه «يوم فونجارلد»، تكريما لذكرى أول أستاذ أنشأ تخصص المسالك البولية فى السويد. وفى هذا اليوم يوجهون الدعوة لأستاذ عالمى زائر متخصص وماهر فى نوع من جراحات المسالك، ليجرى جراحة تُبَث على الهواء ليشاهدها الحضور، وبعدها يُلقى الزائر محاضرة يشرح فيها طريقته. وفى ذلك العام 1987 وُجِّهت الدعوة للأستاذ الأمريكى ذائع الصيت «دونالد سكنر» لإجراء العملية التى اشتهر بها، لكنه اعتذر بزعم انشغاله وقت المؤتمر- تبعا لإحدى الروايات- وفى رواية أخرى قيل إنه اشترط لحضوره متطلبات تتجاوز ما حدده المنظمون لكل ضيف، فاعتذروا له.

طبقا للرواية الأخيرة، قيل إن الأمريكى «سكنر» طلب كشرط للحضور وإجراء العملية أن يسافر على الدرجة الأولى، مصحوبا بزوجته ومساعده وممرضة العمليات العاملة معه. وبغض النظر عن معطيات الروايتين الأولى أو الثانية، فإنه لم يحضر بعد توجيه الدعوة إليه، وقد أبدى استغرابه من دعوته لإجراء هذه الجراحة بينما لديهم الأب الروحى لهذه العملية ومُبتكر أهم مكوناتها البروفيسور السويدى «نيلز كوك». وكان نيلز كوك مدعوًّا بالطبع لهذه الفعالية، ورحب بأن يقوم بالجزء الثانى من العملية، أى تكوين «كيس كوك» كمثانة بديلة تُصرِّف البول عبر فتحة فى جلد البطن، ومن ثم برز سؤال بدا حائرا: من الذى يُجرى الجزء الأول من العملية؟ أى الاستئصال الجذرى للمثانة المعطوبة بالسرطان، وبمهارة تتناسب مع علو مكانة نيلز كوك وخبرته التاريخية. وهنا استدعت الأقدار ما يسميه الدكتور غنيم «المشهد الأول فى القصة»..

لم يروها فى مكان آخر

عام 1984، أى قبل انعقاد فعالية جامعة كارولينسكا بثلاث سنوات، كان بروفيسور المسالك البولية بهذه الجامعة «لينرت أندرسون» قد زار مركز الكلى بالمنصورة، وشاهد الدكتور غنيم كما العديد من تلامذته يقومون بإجراء الاستئصال الجذرى للمثانة وما يتعلق بها من غدد ليمفاوية، بأقل قدر من النزف أثناء الجراحة، كما شاهد انفرادهم بتطوير مدهش فى تحويل مجرى البول انطلاقا من «كيس كوك» ولكن بطريقة فريدة تختلف تماما عن طريقة دونالد سكنر. ورشَّح لينرت أندرسون الدكتور غنيم ليقوم بإجراء الجزء الأول من العملية التى سيقوم بجزئها الثانى الدكتور كوك فى ذلك اليوم من نهايات 1987، ولقى ترشيحه قبولا. وهنا تكوَّن «المشهد الثانى من القصة» لتنطلق نحو ذروتها.

«إنه القدر. أحداث لم تكن فى الحسبان» يقول الدكتور غنيم هذا بينما تكتسى ملامحه بتعبيرات الدهشة والغِبطة، وهو يحكى ملابسات ما حدث فى ذلك اليوم السويدى الفاصل. فقبل يوم العملية جمعوه بالدكتور كوك على العشاء لينسقا دوريهما فى عملية الغد، ورحب كوك بالضيف المصرى الذى سبقته سيرة مهارته والمركز المتقدم الذى أسسه فى مصر، وفى اليوم التالى أجرى الدكتور غنيم الجزء الأول من العملية، وبعده أجرى الدكتور كوك جزءها الثانى.

نقلة نوعية تكاد لا تُصدَّق

دونالد سكنر بشروطه الأمريكية المتكبرة صنع المصادفة الطيبة لسطوع نجم ابن العالم الثالث المتواضع محمد غنيم

يحكى الدكتور غنيم عما أعقب ذلك وشكَّل المنعطف الأهم لدوىٍّ عالمى وعلاقة فريدة بأستاذ تاريخى رائد ومُبتكر: «كانت طريقته مختلفة عما نقوم به، أو بالأحرى عما نجيد القيام به ونفذناه كثيرا واكتسبنا فيه خبرة جيدة فى المنصورة، وعندما التقيته مساء ذلك اليوم عرضت عليه طريقتنا». شرح الدكتور غنيم للبروفيسور كوك أنه بدلا من ربط المثانة الجديدة- كيس كوك- بفتحة تصريف للبول عبر جلد البطن، تُوصَّل المثانة الجديدة من أسفلها بمسار التبول الطبيعى، وبهذه الطريقة يعيش المريض كما الإنسان العادى، ولا يكون مضطرا لحمل كيس على بطنه يعوقه ويؤثر سلبا على نفسيته. واندهش كوك لهذه الفكرة التى رأى أنها لو صحَّت لكانت نقلة نوعية فريدة ونتيجتها على المريض أكثر احتراما لآدميته.

أخذ كوك يسأل ويدقق فيما عرضه عليه الدكتور غنيم، وطلب أن يأتى للمنصورة لرؤية ما يفعلونه على الطبيعة، ولم تمض ستة أسابيع حتى زار كوك مركز الكلى بالمنصورة فى يناير 1988، ومكث فى المركز أسبوعا، وأُجريت فى وجوده أربع عمليات ناجحة، استُئصلت فيها المثانة واستُبدلت بكيس كوك وتم تغيير مجرى البول لينتهى إلى الطريق الطبيعى، وأصبح المرضى قادرين على التحكم فى عملية التبول.

الانبهار لا يُخفى الأصول

انبهر كوك بما رآه فى المنصورة، واقترح على الدكتور غنيم أن يكتب ورقة علمية بما توصَّل هو وأطباء المركز إليه وشاهده بنفسه، وكانت هذه العملية بهذه التقنية المُبتكرة قد سبق إجراؤها لعدد كبير من المرضى. كتب الدكتور غنيم الورقة البحثية عن ستة عشر مريضاً أُجريت لهم العملية، وأرسلها إليه بالفاكس، واضعا اسم كوك ضمن الباحثين كملاحظ، فاتصل كوك بالدكتور غنيم، وطلب منه أن يرفع اسمه من الورقة، فسأله عن السبب، فقال كوك إنه رجل له مصداقية علمية، وهو غير متأكد من دقة النتائج، نظرا لقلة عدد العمليات التى تابعها.

شكَّل تحفظ الدكتور كوك نوعا من الصدمة للدكتور غنيم وأساتذة مركز الكلى، إلا أن الدكتور غنيم رأى أن ذلك نتيجة طبيعية لالتزام كوك بتحرِّى الدقة العلمية التى تتطلب تأكيداً أكثر على النتائج، عندها قال الدكتور غنيم لكوك لماذا لا يأتى مرة أخرى ليشاهد العملية مُكررا ويتأكد من نتائجها، فاستجاب وحضر، ليس وحده هذه المرة، لكن بصحبة أستاذ آخر كمراقب مستقل. ويعلق الدكتور غنيم على ذلك قائلا: «هنا يمكن ملاحظة مستوى الدقة والالتزام العلمى، حيث لا يضع أستاذ اسمه على ورقة علمية إلا بعد التأكد تماما من نتائجها، والالتزام بكل المعايير العلمية المطلوبة، ومن بينها وجود مراقب مستقل، وهذه سمة المجتمعات العلمية المتقدمة، وهذا هو التصرف الجدير بأستاذ عظيم مثله».

بشهادة مراقب مستقل

اختطف الأمريكى دونالد سكنر حق غنيم العلمى فصحبه السويدى نيلز كوك لتسلم الدكتوراة الفخرية من جامعة جوتنبرج

بعدما تأكد الدكتور كوك من نتائج تطوير العملية فى المنصورة، كُتِبت الورقة البحثية من جديد، ووُضِع اسمه ضمن الباحثين، ونُشرت فى مجلة علمية مرموقة للمسالك البولية، فأحدثت دويًّا عالميًّا فى مجالها. وكان من عادة هذه المجلة تلقِّى تعليقات من المتخصصين على الأبحاث المنشورة فيها، وكان أحدهم الدكتور «دونالد سكنر» ذاته، فكتب معلقا أن هذه العملية جيدة من الناحية التكنيكية، بل متميزة، وإن أبدى شكوكه حول قدرة المرضى على التحكم فى البول بعدها، لكن مع الوقت ونجاح التجارب التى أزالت شكوكه أصبح من أكثر الداعين لإجرائها، ولكن- وعلى النسق الأمريكانى- أضاف إليها لمسة خفيفة، وقدمها كما لو كانت ابتكارا أمريكيا خالصا باسمه. أبدا لم يذكر سبق الدكتور غنيم ومركز الكلى بالمنصورة له، ولو بحرف!

وقد أراح قلبى وشفى غليلى من هذا النكران الأمريكى الخيلائى أن أعثر على تسجيل لفعاليات مؤتمر جراحة المسالك بجامعة ومستشفى هايدلبرج الألمانية المرموقة فى الفترة من 16 إلى 18 فبراير هذا العام 1917، وكان أحد الأربعة الكبار المتحدثين فيه هو الدكتور محمد غنيم، وقد تهكم تهكما علميا موثّقا بارعا ولاذعا أضحك الحاضرين من تهافت «الدون» الأمريكى، وفجَّر تصفيقا عارما للعالِم المصرى مغبون الحق!

كان التطوير المصرى لفكرة «كوك» نقطة فارقة فى تاريخ مركز الكلى بالمنصورة.. وفود من جميع أنحاء العالم بدأت تحضر للمركز تشاهد وتتعلم، حتى الدكتور «كوك» نفسه زار المنصورة أكثر من 17 مرة على حسابه الخاص. وفى إحدى زياراته سأل الدكتور غنيم: لماذا لا يسافر كثيرا لينشر أبحاثه وتجاربه بالخارج؟ ألا يرى أن الباحث الأمريكى إذا كتب ورقة بحثية مثل ورقته عن نجاح تحويل مجرى البول إلى مساره الطبيعى بعد استئصال المثانة يظل يلف بها العالم كله متحدثا عنها ومحاضرا فيها ويصنع منها لنفسه سمعة طيبة ومكانة دولية؟

لفتة من أستاذ عظيم

كان رد الدكتور غنيم على الدكتور كوك هو الحقيقة المصرية المتواضعة، متمثلة فى أن موارد المركز لا تسمح له بالسفر إلا مرة واحدة فى العام، فلم يعلق كوك، لكنه بعد سفره بأيام قليلة فاجأ الدكتور غنيم بطرد وصله بالبريد السريع المؤمَّن، ومعه «بطاقة ائتمان ذهبية»، ورسالة يطلب فيها من الدكتور غنيم أن يسافر كثيرا للمؤتمرات العلمية مستخدمًا بطاقة الائتمان المرفقة، وأنها ستغطى نفقاته خلال سفرياته.

كانت البطاقة المُرسَلة هى بطاقة الدكتور كوك الخاصة، يتسلمها من الجامعة ليستخدمها فى سفره للمؤتمرات، ويُخصم ما ينفقه من الحساب المخصص لأبحاثه، وبهذه الطريقة لا يكون مضطرا كل مرة يسافر فيها أن يذهب للجامعة ويطلب اعتمادات مالية أو موافقات تعوق حركته ذات المردود العلمى والطبى على صحة المواطن السويدى وعلى البشر عموما، ولابد أن كوك قد اعتبر هذه اللفتة طبيعية وتتسق مع حقيقة زياراته العلمية السبع عشرة للمنصورة، وحقيقةً أنه كان وظل فى شراكة مثمرة مع الدكتور غنيم لتطوير ابتكاره التاريخى لكيس كوك، ولعل هذا ما حدا به أن يذكر فى سيرته العلمية العالمية تلك الشراكة البحثية مع الدكتور غنيم دون غيره، كما ورد بالفقرة التى بدأ بها هذا المقال.

مكافأة راقية للاستقامة

عند تقاعده أرسل كوك ما تبقى مما رصدته السويد لأبحاثه إلى مركز الكلى بالمنصورة تقديراً علمياً ومحبة إنسانية

يقول الدكتور غنيم: «لقد استخدمت البطاقة الائتمانية فعلا فى سفرياتى، ولكننى كنت مُقتصِدا، أستخدم الدرجة الاقتصادية فى الطائرات، وأحاول ألا أنفق كثيرا، ففوجئت بالدكتور كوك يتصل بى تليفو��يا، ويسألنى لماذا لا أنفق كثيرا؟ مؤكدا أنه لا يتصور أن يسافر أستاذ مثله بالدرجة الاقتصادية. وبقيت البطاقة معى 8 سنوات حتى أُحيل الدكتور كوك للمعاش، وأثناء تسوية حسابه مع الجامعة وجد أن فى حسابه رصيدًا من منح الأبحاث المخصصة له قدره أربعون ألف دولار، فأرسله إلى المركز، وكان هذا المبلغ هو النواة لإنشاء (جائزة المنصورة الطبية)، التى تُمنح سنويا بقيمة 75 ألف جنيه لأحسن باحث فى مجال المسالك البولية والكلى فى مصر والوطن العربى، شريطة أن تكون الأبحاث قد أُجريت داخل وطن الباحث».

إنها قصة تقول الكثير عن الاستطاعة فى أنفسنا، وعن الخير الذى نلقاه من العالم إذا كنا نتعامل مع أنفسنا ومعه بسوية واستقامة، وعن المصادفة التى لا تذهب حقا إلَّا لمن يستحقها، وقد كانت المصادفة التى رفعت اسم الدكتور غنيم ومركز الكلى بالمنصورة عالميا عام 1987 مُستحَقَّة استحقاقا قائما على إنجاز ونجاح تطوير فذّ لجراحة عالمية بعمل مصرى دؤوب وطَموح ومُتقَن، ولم يكن ينتظر إلا الفرصة للظهور على العالم المتقدم ليقدِّره حق قدره، فهناك ما يمكن أن يأتى من الغرب ويسرَّ القلب، على عكس القول الشائع قصير النظر والمثقل بعقدة الاضطهاد لدى أناس يُضطهَدون أول ما يُضطهَدون من أنفسهم!

جزيرة رحمة فى خضمٍ قاسٍ

إننى خلال الساعات الاثنتى عشرة التى حاولت فيها جعل الدكتور غنيم يحكى دون مقاطعة، انتبهت إلى معنى كثيرا ما سمعته يردده بصياغات مختلفة، ومنها «الحظ الحسن» أو«فضل الأقدار»، أو «أحداث لم تكن على البال». فعندما يتذكر وقائع أول عملية زرع كلى باهرة النجاح فى الشرق الأوسط قادها فى المنصورة يُبدى استعجابه من حدوث ذلك بإمكانات محدودة للغاية، بل فقيرة جدا، ويُرجِع ذلك إلى «توفيق غير عادى». وعندما يستعيد قصة بناء وشموخ مركز الكلى العالمى فى المنصورة، يهز رأسه دهشة ويصف هذا الصرح بأنه «جاء أكبر من أحلامنا». وهو فى سرده لقصة نجاحه العالمى فى إعادة مجرى البول لمساره الطبيعى بعد استئصال المثانة يُصرُّ على نِسْبة هذا النجاح لمركز الكلى وليس لنفسه فقط، كون العمل العلمى جهدَ فريق، وإن ظل يُبدى دهشته من دور المصادفة! وبقدر ما يعبر ذلك عن نزوع روحى مطمئن فى صدر هذا الرجل العاصف والقاصف كما يبدو لكثيرين، وكما هو فى بعض جوانبه ولأسباب واقعية مشروعة فى رأيى، فإنه يؤكد تواضعا عميقا فى نفسه.

إنها قصة كبيرة، ومن أهم ما تقوله لنا هو أن «مصر تستطيع»، فتذكرنا بعنوان البرنامج التليفزيونى المُتميِّز الذى يقدمه الصحفى والإعلامى الذكى والمجتهد «أحمد فايق»، لكن هذا العنوان يظل منقوصا إن استمر فى وقف الاستطاعة على ما تحققه عقول مصرية فى الخارج من نجاحات متقدمة فى عالم غنى ومتقدم، فمصر تستطيع حقا، وهنا قبل أى مكان آخر. وهذا بالضبط جوهر تجربة الدكتور غنيم الفذة ومركز الكلى بالمنصورة الذى أسسه على عينه وضميره وتفانيه وتجرُّده، باستقامة وصرامة تبديه شرسا لبعض من لا يرون من الأمور إلا سطحها، فأخرج من خضم العشوائية وتلاطم التخلف جزيرة رحمة متقدمة راقية الجمال، تؤكد أن مصر حقا تستطيع، وتستطيع هنا.

عندما تصير الجراحة شِعراً

نعم.. مصر تستطيع هنا، وهذا سر فرادة إنجاز الدكتور غنيم، الذى آثر أن يصنع مآثره على أرضه منذ بواكير شبابه، فينطلق فى التطوير بعقل علمى واسع الأفق، متحسسا مشاكل مجتمعه ومُستفيدا من خبرات العالم المتقدم دون أن يغفل فضل أساتذته المصريين الذين يُفرد لهم مكانة خاصة ضمن مراجعه العالمية، فنقرأ أسماء الدكاترة الرواد الكبار محمد صفوت وعبدالعظيم رفعت وإبراهيم بدران. أما إبهاره للعالم بالابتكار الذى اجترحه هو وفريقه البحثى من المنصورة فى العملية سالفة الذِكر، فهو نتاج اهتمام إنسانى واجتماعى وعلمى بمشكلة سرطان المثانة الذى كان يأكل مثانات فقراء الفلاحين المصريين خاصة. والدكتور غنيم يُرجع فضل بدايات هذا الاهتمام إلى ما تشرَّبه طبيبا شابا من أستاذ جراحة مصرى كبير كان أول من دربه على الاستئصال الجذرى للمثانة، وهو الدكتور إسماعيل السباعى، الذى يصفه الدكتور غنيم- مُعظِّما مُفخِّما- بأنه «جرّاح فحل»، فيحيلنا إلى تعظيم وتفخيم العرب لأفذاذ شعرائهم بهذا اللقب. وهنا أرانى على يقين بأن الجراحة عندما تنهض على مقومات كالتى يتحلى بها الدكتور غنيم تصير شعراً. أما نجاحه المصرى عالمى المستوى على أرض مصرية، فهو: قصيدة.

وما هذا الفصل إلَّا عن بيت من أبياتها.

قد يعجبك أيضا‎

الأخبار العاجلة

النشرة البريدية