أهم الأخبار

photo

مصر والبنك الدولي يوقعان اتفاقية قرض بقيمة 500 مليون دولار لتحسين التعليم الحكومي

photo

مصر ترحب بإعلان كوريا الشمالية تعليق تجاربها النووية والصاروخية

photo

محمد صلاح: أبي سبب عشقي للنادي الإسماعيلي (صورة)

photo

«البحوث الفلكية»: غرة رمضان الخميس 17 مايو المقبل

photo

الأهلي يعلن تفاصيل مهرجان اعتزال حسام غالي في مؤتمر صحفي الاثنين

photo

رئيس الوزراء يتفقد استعدادات تطبيق التأمين الصحي الشامل ببورسعيد

photo

مصر تشارك في مؤتمر باريس لمكافحة تمويل الإرهاب 26 أبريل

photo

عبدالله السعيد «يصنع» في فوز كوبيون على هلسنكي عمرو جمال في الدوري الفنلندي (فيديو)

photo

تعليق أبوتريكة على هدف محمد صلاح التاريخي في ويست بروميتش

photo

عقب تحقيق «المصري اليوم».. وزير النقل يتفقد قطار «المنوفية – المناشي» (صور)

photo

وزيرة التضامن تكشف عدد المستفيدين من «تكافل وكرامة»

محمد المخزنجي ميراث الخوف بالألوان محمد المخزنجي الأربعاء 04-10-2017 21:42

اشترك لتصلك أهم الأخبار


كل هذا الجمال اللونى والزخرفى، الحى، والخلاب، هو ثمرة خوف تاريخى امتد على آماد عشرات ملايين السنين، بدأ بإخراج أسماك مستضعفة من البحر المتوحش الذى هيمنت عليه الأسماك المدرعة والقروش، إلى ملاذ البر فى نهاية حقبة تاريخية سميت «عصر الأسماك»، وفيها حوَّل الخوف بعض الأسماك إلى برمائيات، تلوذ بوهم الأمان على اليابسة ويقودها حنين وطنها الأول إلى تنشئة ذريتها فى الماء. ومع تكرار التوحش والاستضعاف على البر، لم يكن أمام الضفادع الأولى التى كانت ضخمة ومسالمة ووجبة سهلة للوحوش، إلا أن تنكمش حجماً وتتلغم بسم فتاك فى جسمها لتردع تغول مفترسيها، ومع استمرار الافتراس برغم تكرار مقتلة المفترسين والفرائس معا، جاء ذلك التلوين البهى والزخرفة الساحرة لينذر المفترسين فينجو المفترس وتنجو الفريسة. إنها أمثولة شاع تسميتها «ضفادع سم السهام الصغيرة» poisn dart frogs نظراً لاستخدام الصيادين البدائيين فى غابات الأمازون لسمها فى طلاء رؤوس سهامهم الصغيرة التى يطلقونها بالنفخ عبر عُقل القصب المجوفة، فتُسقط الطرائد مشلولة كما تسقط الأحجار، وهى تسمية سطحية النظرة لكائنات تستحق إمعان النظر، وتستدعى أسئلة كثيرة تُحاكم ميراث الخوف البشرى؟

ضفدعة

ألوان، وأى ألوان؟.. أحمر حُمرة الفراولة، أصفر صُفرة الذهب، أخضر خُضرة الحقول تحت الشمس، أزرق زرقة السماء الصافية، وأسود سواد ليل قطيفى ينتظر النجوم. ومنها أيضاً من لم يكتف بلون واحد أو لونين، فتوشَّح بألوان قوس قُزح كلها. كأنها قطع فنية منمنمة، صغيرة كلها، معظمها لا يتجاوز البوصة وأكبرها يقارب البوصتين. فتنة للناظرين، برغم أنها ضفادع، لكنها ليست كأى ضفادع فهى ضفادع سامة، وواحِد من أصغرها يُعتبَر أكثر الكائنات سُمُّية على وجه الأرض. فما الذى جمع زُعاف السم مع بهاء تلك الألوان؟!

ضفدعة

حكاية طويلة عمقها أربعمائة مليون سنة من عمر الزمان فى الأرض، محسوبة بأدق الساعات الذرية التى تعمل على قياس تحلل نظائر العناصر المُشعة فى طبقات الصخور النارية من طبقات الأرض الجيولوجية، التى تحصر بينها طبقة رسوبية تدفن داخلها أحافير مما كان يعيش فى الأزمنة السحيقة، ومن فرق العمر بين الطبقة الأحدث والطبقة الأقدم، يتحدد عمر الطبقة الرسوبية بينهما، ويتحدد عمر الأحافير التى تحفظها لكائنات دُفنت فيها وتحجرت، فثبتت الصورة التى كانت عليها فى فجر الحياة على الأرض، ومنها صورة السمكة التى كانت السلف المؤسس للبرمائيات، ومنها عموم الضفادع، ثم الضفادع السامة الملونة هذه..

عندما تتحول الزعانف إلى أقدام

من أول وأشهر الأحفوريات التى توضح طلوع بعض الأسماك من البحر وتحولها إلى برمائيات، حفرية سموها «تيكتاليك» Tiktaalik وجدها ثلاثة علماء فى رحلة بحثية شاقة فى جزيرة «ألليسميرة» الكندية الواقعة فى المنطقة القطبية الشمالية المغطاة بالجليد والملفوحة بالعواصف الثلجية، والتى تجوبها الدببة الجائعة تبحث مخالبها عما تنهشه، وتتوق أنيابها إلى ما تمزقه. وقد اختاروا هذه المنطقة للبحث عن أحفوريات تعود إلى العصر «الديفونى» من الأحقاب الزمنية ساحقة القدم. كانوا يعرفون أن هذه المنطقة التى صارت جليدية كان يسودها قبل 383 مليون سنة طقس دافئ لقربها آنذاك من خط الاستواء. كانت مليئة بالأنهر الصغيرة المتعرجة والقنوات والجداول والبحيرات الصغيرة والبرك الضحلة. وكانت تلك بيئة ملائمة تماماً للأسماك القلقة المدفوعة إلى مغادرة الماء للعيش على اليابسة.

ضفدعة

خمس سنوات قضاها العلماء «تيد دايشلر» و«نيل شوبين» و«فارش جنكينس» فى هذه البعثة الاستكشافية من 1999 حتى 2004 يبحثون عن أحافير لأسماك تمثل الحلقات الوسيطة الموصلة إلى البرمائيات رباعية الأقدام، ومنها الضفادع. جمعوا مئات بقايا العظام فى الصخور المتجمدة لكنهم لم يحظوا بما يبحثون عنه إلَّا فى نهاية السنوات الخمس عندما عثروا على هذه «التيكتاليك» والتى تعنى بلغة الإسكيمو ساكنى المنطقة «سمكة كبيرة فى المياه الضحلة». وصارت هذه حديث المجتمع العلمى العالمى حتى أن مجلة «نيتشر» العلمية المرموقة جعلتها صورة غلافها مع عبارة بالبنط العريض تقول «عندما تتحول الزعانف إلى أقدام». وبرغم توالى اكتشاف أحفوريات أخرى تؤكد هذا التحول وتقطع بأنه حدث فى وقت أبكر مما تقول به التيكتاليك بـ18 مليون سنة، وقادته أسماك بزعانف تشبه الأقدام كانت تدرج بها على القاع الطينى لموائلها المائية الضحلة، إلا أن التيكتاليك ظلت علامة على هذا البزوغ للبرمائيات من الأسماك.

نزوح المقهورين من بيت الماء

كانت التيكتاليك أحفورة لسمكة غريبة التكوين. طولها حوالى مترين- وهذا يتسق مع رؤية أن الضفادع الأولى كانت عملاقة فى ظهورها الأول على الأرض- ورأسها مفلطحة وجسمها عريض أقرب شبهاً بالحيوانات التى تمشى على الأرض منها بالأسماك التى تعيش فى الماء. ولم يكن ذلك التغير أو التطور أو التكيف الهائل سهلاً ولا خاطفاً، فهى مكابدة استغرقت ملايين السنين، ويشير العلماء إلى رقم خمسين مليون سنة تدرَّج فيها هذا التحول، مع التنويه إلى أن ذلك التحول اقتصر على نوع محدد من الأسماك كانت مهيئة لذلك، بشبه رئتين تستطيع أن تتنفس بهما على البر، عبر منخار فى الرأس المفلطح والمختلف عن رؤوس الأسماك العادية، مع إضافة حاسمة تمثلها أربع زعانف أقرب ما تكون إلى الأرجل، والخلفيتان منها كانت أطول وأقوى لدفع السمكة قدما للخروج من الماء، وهذا يذكرنا بالرِجلين الخلفيتين للضفادع الحالية جميعاً، ومنها ضفادعنا العادية التى لاتزال تحتفظ بهذا الطول وهذه القوة لرجليها فتدهشنا بقفزاتها الواسعة على حواف الترع والقنوات فى القرى، وهذه- بالمناسبة- تتسمَّى «علاجيم» لا «ضفادع» وإن كانت تسميتها التفسيرية هى «ضفادع الطين»!

ضفدعة

فى الحقبة الزمنية التى تُسمى «العصر الديفونى» أو «عصر الأسماك»، كان كل شىء فى البحر، لأن مياه البحر كانت تغطى 80% من مساحة سطح الأرض، وحدث ما جعل البحر يضطرب، فيما كانت الجبال ترتفع، وتحصر بينها وديانا وسفوحا تتجمع فيها بعض مياه الأمطار مكونة بركاً وبحيرات عذبة، أخذ غطاءُ نباتى ينتشر من حولها، تغيَّر البحر، وتغير سكانه، وكما فى كل شدة يأكل الكبار الصغار، ويقسو الأقوى على الأضعف، وتصير الأعماق جحيماً للودعاء، فيلجأون إلى النزوح، وكانت الأسماك الرئوية لحمية الزعانف ذات الهياكل المجزأة من أوائل النازحين، زحفت بدفع زعانفها الخلفية مجرجرة ذيولها فيما كانت هذه الذيول كما الرؤوس تتفلطح، وعلى أول البر أمكنها أن تتنفس من الهواء مباشرة بفضل أكياسها الهوائية، التى ستصير رئات، وتحورت وقويت زعانفها الخلفية فصارت تدفعها إلى الأمام بقوة فيما زعانفها الأمامية- الأقصر والأضعف- تتشبث بالأرض مدعومة بهذا الدفع الخلفى. وعلى مدى ملايين السنين تحولت هذه الأسماك النازحة تحت سياط الشدة وتهديد المفترسين فى البحر- من قروش مسعورة وأسماك مدرعة عملاقة- إلى كائنات تسعى على البر، وإن ظل حنينها إلى الماءـ موطن نشأتها الأولى- يجعلها تعود إليه لتتزاوج على حوافه وتضع ذريتها فى رحابه، فتعيش الذرية فترة طفولتها كما كائنات مائية تتنفس بالخياشيم وتتغذى بالأوليات الدقيقة الهائمة فى لجة الماء، إلى أن تكبر ويتغير شكلها وتركيب جسمها، فتطلع من الماء يافعة لتكمل حياتها على البر، متنفسة من منخار يفضى إلى رئتين فى صدرها، إضافة لإمكانية امتصاص أكسجين الجو عبر جلدها الذى تحافظ عليه رطباً لهذه الغاية، فيما يكون جسمها قد امتص الذيل الذى لم تعد فى حاجة إليه بينما هى تسعى على اليابسة متقافزة، تتصيد الحشرات ككل الضفادع!

ضفدعة

عصر الخوف الكبير الثانى

يشارف العصر «الديفونى» على نهايته ليبدأ العصر الكربونى أو الفحمى، وتتعاقب وراءه العصور، فتكثر فى الأرض التى ينحسر عنها البحر نباتات السرخس العملاقة والصنوبريات المخروطية، وتنتشر النباتات البذرية ذات الزهور، تأخذ جميعها كربون الجو وهى تقوم بعملية التمثيل الضوئى، وينتقل هذا الكربون إلى أجساد الحيوانات التى تقتات على أوراق الأشجار وثمارها، ثم إلى أجساد حيوانات أخرى تتغذى على لحم الحيوانات آكلة النباتات. تزداد النعمة على البر بعد البحر، فتولد النقمة على اليابسة، مُمثَّلة بزواحف طاغية وجبارين رُباعى الأقدام ذوى أنياب قاتلة وأسنان تمزق، وطيور جوارح تهوى مناقيرها من السماء لتطعن وتخطف ثم تنهش. فماذا تفعل البرمائيات العزلاء من ضفادع وسلامندرات وحفارات أنفاق، وهى لا مخالب لها ولا أنياب؟ إنه سؤال عصر الخوف الكبير الثانى- على البر، بعد الخوف الأول- فى البحر. فكيف يهدهد الضعيف خوفه؟

أولاً، يتضاءل حجمه لقلة ما يأكل وهو لا يسعى فى الأرض بحرية، إذ تستطيل فترات اختفائه عن أعين المفترسين التماساً للنجاة. يهوى حجم الضفدعة من حجم بقرة إلى حجم فأر، وهذا لا يحدث بين يوم وليلة، بل على امتداد فترة تقدر بملايين السنين، فالأحفوريات التى توالى ظهورها فى الطبقات الرسوبية المختلفة، تقول بأن الضفادع السامة الضئيلة ظهرت منذ 40- 45 مليون سنة فقط، مقارنة بمئات ملايين السنين التى ظهرت فيها الضفادع الأولى العملاقة، غير السامة، وغير الملونة. وهنا توقفنا الأسئلة أمام حكاية السم والتلوين فى تلك الضفادع المدهشة، التى لم تكف عن التغيُّر، بدليل ترديد العلماء أن الأحدث منها صار إلى ما هو عليه منذ 2.5 مليون سنة فقط. كيف، ولماذا؟

المُرجَّح أن الضفادع الأولى غير السامة وقد صارت تسعى على اليابسة، فى أحراش الغابات الأولى، كانت وهى تتناول غذاءها المتوافر من النمل السام، والخنافس، والديدان ألفية الأرجل، بألسنتها الخاطفة الطويلة اللزجة، لم تكن تعرف أن غذاءها هذا مفعم بسم من أشباه القلويات يسمى «باتراكوتوكسين» Batrachotoxin (BTX) مدمر لعمل القلب والأعصاب فى جرعاته الكبيرة التى تراكمها الضفادع السامة فى أجسامها. لكنه لا يؤثر على قلوب وأعصاب هذه الضفادع بسبب سرعة التمثيل الغذائى لديها، مما لا يمنح السم وقتاً ولا فرصة للفتك بقلوبها والأعصاب، فسرعان ما يُفصَل هذا السم عن المكونات الغذائية فى طعام الضفادع هذا، ويتم توجيهه بسرعة إلى مخازنه «الاستراتجية» فى تلك النتوءات البارزة تحت جلد ظهور الضفادع والتى تُبديها مُحبَّبة، كثمار الفراولة! وعندما يحين الحين، وتَدْلَهِم الأمور منذرة بالخطر، تطلق هذه الضفادع سمها «أوتوماتيكيا»، فتعرق سُمَّا يفتك بمُلتهميها. ومع توالى موت ملتهمى الضفادع سواء من الأفاعى الزاحفة على الأرض أو الجوارح المنقضة من السماء، يزهد الكثير من الملتهمين فى تناول هذه الوجبة القاتلة. لكن هذا لا يكفى، فالالتهام يتواصل، لأن الضفدع السام يشبه غير السام، فيختلط الأمر على المفترسين الأغرار قليلى الخبرة، وهم كثر. ومن ثم تحتم الضرورة بزوغ التلوين!

إنذارات بأزهى الألوان!

يُقدَّر أن ظهور الضفادع السامة الملونة بدأ منذ 19 مليون سنة كما تُرجِّح الحفريات، لكن يكفى للإجابة عن سؤال تلوينها معرفة أنها تنتشر فى الغابات المدارية المطيرة فى أمريكا الوسطى والجنوبية. غابات كثيفة عالية الرطوبة ودافئة. تتزاحم أشجارها السامقة ذات الهامات الوارفة والمغطاة جذوعها وفروعها بالنباتات المتسلقة. دغل نباتى على الأرض يصعد متزاحما متلاصقا متداخلا فلا يسمح إلا بمرور الشح الشحيح من ضوء النهار. وتكون عتمة. وفى العتمة يتحرك مفترسون جوَّابو آفاق من كل زاحف وماش وطائر وقافز. وليس أهون على المفترسين ولا أدعى للتسلية- بين وجباتهم الثقيلة الصعبة- من ابتلاع ضفادع مُنمنمة خائفة، دون مقاومة، وبسرعة خاطفة كما فى لعبة سهلة. فماذا لو أن هناك وسيلة تقول للمفترسين جميعا: «إذا التهمتنى ستفقد حياتك»؟

ضفدعة

وكانت تلك الألوان الصارخة هى الوسيلة. لكن، ماذا عن المفترسين الذين لا يرون الألوان كالزواحف؟ هنا تتطور الألوان فتتزود بنقوش واضحة من خطوط أو زخارف بدرجات من الألوان نفسها أو ألوان مُغايرة تميزها عيون الزواحف الكليلة وعيون المفترسين المصابين بعمى الألوان. وقد أثبت البحث العلمى أن ضفادع كل منطقة من مناطق عيش هذه الضفادع تتسم بلون معين، أو لون ونقش مُعينين، وكان تفسير هذا التمايز يقول بأن تطور وتنوُّع ألوان ونقوش الضفادع السامة حدث بفضل تنوع الطعام الذى تلتهمه ويكون مختلفا كثيرا أو قليلا فى كل منطقة تعيش فيها. كما أن ضغوط المفترسين على هذه الضفادع فى مناطق عيشهما المشترك، ثبَّتت ما تطور من ألوان وزخارف تتوارثها الأجيال، فتغدو «علامات إنذار مسجلة» فى كل منطقة، تُحجِّم تغول المفترسين فى افتراس الضفادع أبناء منطقتهم، كما تقلل نفوق المفترسين من أبناء المنطقة بسم ما يلتهمونه من هذه الضفادع. فعندما تعرف جوارح ولواحم منطقة معينة أن ضفادع منطقتهم ذات لون «الأحمر الفراولة» تقتل من يلتهمها، يتكون لديها ارتباط شرطى يحذرها من التعرض لها. أما غزاة المنطقة من مفترسين آخرين فيقودهم جهلهم وغزوهم إلى حتفهم. وكأن تلوين هذه الضفادع السامة نوع من الإنذار يحذر المفترسين من أبناء أوطانهم حتى لا يتمادوا، ويقود الغزاة إلى حتفهم. فأى مغزى وأى عبرة؟

خوف الضفادع وخوف البشر

إنها مغازٍ وعِبَر كثيرة، لمن يسير فى الأرض فينظر كيف بدأ الخلق، فيتفكر ويتدبر. وأولها أن ميراث الخوف والتخويف فى مسيرة الأحياء على الأرض يسمم الحياة والأحياء ويجعل المستضعف والمهان قاتلا ولو بتلغيم جسمه بالسموم. بل أكثر من ذلك أن هذا المُستضعف والمُهان وقد أورثه دوام الخوف إحباطا ويأسا، يعمد إلى إطعام ذريته السم الذى لا يقتلها وإن كان يجعلها سامة وقاتلة لقاتلها، برغم أن المفترسين فى عالم الحيوان لا يفترسون إلا لغاية أن يأكلوا ليعيشوا، وعادة ما يفعلون ذلك بسرعة وبطريقة لا تعذب الفريسة أو تنكل بها أو حتى تهينها. فهم لا يفترسون افتراس البشر للبشر، لأسباب تطهر منها عالم الحيوان، كحب الهيمنة والتسلط الذى تغذيه الأنانية ويفاقمه الغرور، الذى يتفحَّش بالكِبر والغطرسة والنرجسية الفجة والمُبتزة للآخرين، وهذه جميعا لا مكان لها فى عالم الحيوان، حتى فى مجاهل وعتمات الغابات الوحشية التى يسكنها الوحوش!

ويبقى أن ميراث الخوف بلغ فى هذه الضفادع مبلغاً عجباً، حتى أن الأجنة تخرج من بيضها فزعة بمجرد أن يبدأ ثعبان فى التهام بضع بيضات من أطراف كتلة البيض المتماسكة فى هلام تغطى به الضفادع بيضها، وهو منظر عجيب يجعل الثعبان يرتبك ويتراجع أمام كتلة البيض الشفاف الذى يباغته بالفرقعات وخروج الشراغف الدقيقة منه تفر بسرعة عجيبة، فى كل اتجاه، ثم إن ميراث الخوف يدفع هذه الضفادع السامة خلابة الألوان لإطعام صغارها ببعض بيضها غير المخصب والذى يكون محتوياً على السم الذى تُلغِّم به نفسها. فما أبأس ميراث الخوف. وما أفظع أن ميراث الخوف البشرى حين يراكم السم فى الخائفين، يدفعهم إلى قتل الآخرين بسمهم دون أن يتحلوا حتى بشرف الإنذار الذى ينجيهم وينجى غيرهم كما تفعل ألوان الضفادع السامة، تلك التى لا يعميها خوفها كما يُعمى الخوفُ البشرَ.

الخوف البشرى لا ألوان فيه، فهو أقتم وأعتم، حلقة خبيثة يدور فيها الخوف بالخائفين ومن صنعوا خوفهم، حيث لا رحمة هنا أو هناك، تربص دائم هنا وتوجس دائم هناك، والمسمومة كياناتهم بفعل الخوف يصلون إلى درجة العمى عن رؤية نفاسة الحياة، فى أنفسهم وفى غيرهم، فيتعجلون موتهم بإماتة الآخرين، حتى لو كانوا من ضحايا الخوف مثلهم!

فما أجمل ألوان ضفادع غابات أمريكا الوسطى والجنوبية المطيرة، التى تشف أعماق ألوانها الخلابة عن: أحمر فراولة حقاً، أصفر ذهبى حقاً، أزرق سماوى حقاً، أخضر زرعى حقاً، أسود قطيفى حقاً.. وبرغم مرارة ملايين السنين من ميراث الخوف.

قد يعجبك أيضا‎

الأخبار العاجلة

النشرة البريدية